مولي محمد صالح المازندراني
103
شرح أصول الكافي
مستند إلى العقول ( 1 ) ومن زعم أن صفاته الذاتية على ذاته إذ هو حينئذ مستعين في الخلق والإيجاد بصفاته المغايرة له . ( وكل شيء من صنعي ) هذا تأكيد لما قبله لأن إضافة الصنع إليه عز وجل يقتضي التفرد به . ( وكل إليّ راجعون ) بالحاجة في الوجود والبقاء أو بالزوال والفناء ( ولله ميراث السماوات والأرض ) وفيه وعد بالثواب ووعيد بالعقاب ودلالة على التسخير ، وقال الفاضل المذكور : المقصود أن كل شيء من صنعي بلا واسطة أو بواسطة كأفعال العباد وهذا معنى قوله ( كلٌ إلينا راجعون ) وفيه أنه يصدق على مذهب صدور الواحد عنه فقط ، وهو باطل عندنا ، فالأصوب حمله على الصدور بلا واسطة واستثناء أفعال العباد بدليل خارج . ( يا عيسى أنت المسيح بأمري ) سمّي مسيحاً لأنه كان ذو بركة خلقة خلقه الله تعالى مباركاً ، أو لأنه سائح في الأرض للعبادة وهداية الناس ، أو لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلاّ برئ ، أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن ، أو لأنه كان صديقاً . ( وأنت تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ) قيل معناه أنت تقدر لهم من الطين مثل هيئة الطير فتنفخ فيه ( فيكون طيراً ) أي حيّاً طياراً ( بإذني ) ولما كان الإحياء من أخص صفاته تعالى ذكر الإذن دفعاً لتوهم الألوهية له ، والظاهر أنه كان تعالى يخلق الحياة في ذلك الجسم عند نفخ عيسى ( عليه السلام ) إظهاراً لمعجزته لأن الإحياء والإماتة من صفاته تعالى كما نطق به القرآن ، وقيل : إنه أودع في نفس عيسى ( عليه السلام ) خاصية بحيث أنه متى نفخ في شيء كان نفخه موجباً لصيرورة ذلك الشيء حياً . ( وأنت تحيى الموتى بكلامي ) لعل المراد بالكلام
--> ( 1 ) قوله « وأن خلق البواقي مستند إلى العقول » . شبهة راسخة في أذهان بعض الناس لا يكتنه العلماء غورها لبعد أذهانهم عن أذهان الناس فرب أمر يتمسكون به ويبنون عليه من غير أن يعثر أحد على وجهه ولا ريب أن لا مؤثر في الوجود إلاّ الله تعالى وأن سلسلة الأسباب ينتهي إلى واجب الوجود بالذات لامتناع التسلسل ولم يتردد فيه أحد إلاّ الملاحدة المنكرون للعقول ولكل موجود غير جسماني ، فنسبة الفعل والتدبير إلى العقول كنسبة الخلق إلى عيسى ( عليه السلام ) حيث قال تعالى : ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير فتكون طيراً باذني ) فكما أن نسبة الخلق إلى عيسى ( عليه السلام ) ليست مردودة باطلة بقوله « المتفرد بخلق كل شيء » لأن كل فاعل واسطة في إيصال الفيض من الله تعالى إلى سائر الممكنات كذلك نسبة الفعل إلى العقل أو إلى الملائكة الموكلين كنسبة إثارة السحاب إلى الريح في قوله تعالى ( يرسل الرياح فتثير سحاباً ) ليست مردودة بخلق كل شيء ، ولا أدري كيف يكون نسبة الأفعال إلى الأسباب الطبيعية كالحرارة إلى النار والضوء إلى الشمس والشفاء إلى الدواء غير مخالفة للتوحيد ويكون نسبة الفعل إلى العقول مخالفة ، إلاّ أن يكون الرجل مادياً ينكر وجود المجردات أو وهابياً ينكر تأثير غير الأسباب الطبيعية كالقبور والأرواح والتربة المقدسة والخواتيم المنقوشة وليس ذلك كله مما يخفى على الشارح رحمه الله وكأنه أراد بذلك بعض المبتدئين في الفلسفة وكانوا كثيرين في عصره يأخذون بأصل ويتركون أصولاً ، يبينون فعل القول بياناً يظهر منه التفويض ويغفلون عن قول الحكماء « لا مؤثر في الوجود إلاّ الله تعالى » والله الهادي . ( ش )